الشيخ محمد هادي معرفة

91

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قوله تعالى : « بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » فإنّه وسّطه بين قصّة نوح وإغراق قومه وحالة السفينة ، ثمّ رجع إلى حال القوم ، وما هذا حاله فإنّه يكون من الاستطراد الحسن وأعجب شأن التنزيل ، فما أغزر أسراره ، وأكثر عجائبه ، وللّه دُرُّ مغاصاته المُخرجة بخلاص عِقيانِهِ ، والمُبرزَة بحصبَاء دُرَره ومَرجانه . فهذا ما أردنا ذكره من عجائب ما اشتملت عليه علوم هذه الآية ، وبتمامه يتمّ الكلام على المزايا الراجعة إلى ألفاظ القرآن الكريم ، وقد أطلنا فيه التقرير بعض الإطالة ، أحوجَ إلى ذلك الكلامُ في هذه الآية التي ذكرناها . « 1 » أفصح آية رائعة ذكر الأصمعي ( صاحب النوادر والملح ، ت 216 ) أنّه سمع بنتا من الأعراب خُماسيّة أو سُداسية « 2 » تُنشد : استغفر اللّه لذنبي كُلِّهِ * قتلتُ إنسانا بغير حِلِّهِ مثل غزالٍ ناعمٍ في دَلِّهِ * وانتصف اللّيل ولم اصلِّهِ قال : فقلت لها : قاتلكِ اللّه ، ما أفصحكِ ! قالت : ويحك ، أيُعَدُّ هذا فصاحة ! مع قوله تعالى : « وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ ، فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ، وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي ، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ » « 3 » . فجمع في آية واحدة بين : أمرين ، ونهيين ، وبشارتين ! ! « 4 » آكد آية مُفجعة ذكر جلال الدين السيوطي عن بعض الأعراب أنّه لمّا سمع قوله تعالى : « وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ، فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ » « 5 » . صرخ وقال : من ذا الذي أغضب الجليل حتّى ألجأه إلى اليمين ! « 6 »

--> ( 1 ) - الطراز ، ج 3 ، ص 228 - 250 . ( 2 ) - أي بنت خمس سنين أو ستّ . ( 3 ) - القصص 7 : 28 . ( 4 ) - مشكلات القرآن الكريم ، للشيخ محمد عبده ، ص 22 . ( 5 ) - الذاريات 22 : 51 - 23 . ( 6 ) - الإتقان ، ج 4 ، ص 46 .